languageFrançais

"حصاد الغياب..اليد الصغيرة لا تكذب" لعبد الحميد الجلاصي

قد تضعك الأقدار في يوم ما خلف القضبان، فتجد نفسك في مكان ارتبط عموما بقساوة العيش والحرمان والتعذيب والظلم يخبرنا عنه السجناء حين يغادرون زنزاناتهم ولكن قد نكتشف هذا العالم أيضا عبر روايات موثقة في كتب ومؤلّفات أو ما يعرف عادة بأدب السجون.

 في تسعينات القرن الماضي وما تلاها من سنوات في فترة قبل الثورة امتلأت السجون التونسية بسجناء السياسة وسجناء الرأي ووجد المئات من الناشطين السياسيين والحقوقيين، بيسارهم ويمينهم بشيوعييهم وإسلامييهم، أنفسهم خلف القضبان وعاشوا تجارب مختلفة من ألوان العذاب والقهر والامتهان بعصا نظام استبدادي لم يكن يقبل الاختلاف.

 القيادي بحركة النهضة  عبد الحميد الجلاصي كان أحد هؤلاء السجناء واختار بعد 9 سنوات منذ أن غادر السجن توثيق 15 سنة  قضاها خلف القضبان ضمن سلسلة اختار لها  ''حصاد الغياب'' كعنوان  وحمل الجزء الأوّل منها عنوان''اليد الصغيرة... لا تكذب'' في طبعة أنيقة صادرة عن ''مكتبة تونس''.

وجمع عبد الحميد الجلاصي في هذا الكتاب ما أرسله من رسائل وما وصله منها بين جويلية 1991 وأكتوبر 2007، تاريخ إطلاق سراحه. ''اليد الصغيرة... لا تكذب'' يمثّل مجرّد شهادة على مرحلة هامة من تاريخ تونس وما تخلّلها من تعذيب مادي ومعنوي وهو أيضا عنوان ''لانتصار إرادة المضطهدين''.

  في هذا الكتاب الذي جمع بين السرد والوصف بلغة تنساب بطريقة سلسلة آسرة، كشف عبد الحميد الجلاصي عن مجريات محاكماته وخصوصا المحاكمات التي شهدتها المحكمة العسكرية، كما كشف عن تفاصيل الحياة اليومية لسجين سياسي وتجربة السجن عموما.

''اليد الصغيرة... لا تكذب'' هو أيضا تعبير عن نموذج من أجيال المناضلين ودليل على أنّ السجن قيد يحبسك جسديا لكنه أبدا لا يحبس أفكارك.

 يقول المهدي المبروك في تقديمه للكتاب'' من خلال تلك الرسائل وبالكتابة عموما يخرج المؤلف من أسره، وبشكل ذكي وخارق  ليستأنف تاريخه ذاك، فيستعيد وظائفه، وسلطاته، ومكاناته المهدورة والمستباحة، ويواصل نضالاته، فيربي ابنته، وينصح أخواته، بشكل خاص، ويواسي أمه وأباه، ويطمئن أصهاره.